قراءة في من يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب

وقت القراءة 4 دقائق

الأيام الفارطة كان يتردد علي في المكتب شاب أخبرني بأنه كان يعمل ظابط شرطة و إستقال بسبب رفضه للرشوة …أنا دائما لا أرتاح لقدامى الظباط فقد سكن عندي لمدة ثلاث سنوات ظابط شرطة سياحية وقتها جلبه قريبه أول يوم في رمضان ،قضى طيلة النهار نائما ثم أيقظته وقت الفطور فشرب صحن الشوربة ثم عاد للنوم ،وقتها كنت أعمل مشرفا في مصنع الطماطم و نبدأ العمل على الساعة العاشرة ليلا و أنا من يبدأ سلسلة التشغيل فأسرع بعد صلاة المغرب لأجهز الصحور و أطبخ كمية من القهوة ثم أسارع لأدرك أربع ركعات من صلاة التراويح في الجامع القريب من المصنع ،وقتها رمضان كان يأتي في الصيف ،أدخل المصنع الساعة العاشرة إلا ربع و أقوم بالإشراف على دخول العاملات و تمرير أصابعهن اللتي تآكلت بصماتها بسبب المياه الحامضة للمياه فقد جهز المصنع بآلة تسجيل الحضور بالبصمة و كان أغلب العمال نساء أو طالبات أما الشباب فيعملون في تفريغ الشاحنات …المصنع الذي إشتغلت فيه مثل هذا لكن أكثر تطورا .

فقد كان يعتمد آلات من صنف Rossi Catelli الإيطالية .مأتمتة كليا.

صاحب المصنع كان أميا يستعمل أصابعه ليبصم لكنه محراث عمل فقد بدأ حمالا في سوق الخضر ثم إمتلك مبردات ثم مصنع طماطم لكنه بخيل و قاس جدا فمرة قام بضرب إبنه أمامنا بقسوة حتى لا تحتج على تأخر الأجر كما أنه يشغل أبنائه عمالا في المصنع لأنهم لم يكملوا دراستهم كنوع من العقاب وحتى يتعلموا قيمة العمل ،أما بالنسبة للموظفين فقد كان يجلب الأكثر كفاءة و بقربهم منه و بالنسبة للآلات لا يعترف بالإصلاح فالمحركات الكهربائية بمجرد أن تبدأ في فقدان العزم يقوم بتغيرها و يستعمل أفضل الأنواع خاصة ABB.

و في الحراسة يستعمل حراسا من الجالية المغربية فهم معروفون بأنهم لا يتسامحون مع الغرباء كما لا يسمحون حتى لأبناء صاحب المصنع بالدخول و هناك فترة يجب أن لا يشتغل فيها المصنع يطلق مجموعة كبيرة من الكلاب الشرسة داخل المصنع فهو من مادة الحديد غير قابل للصدأ و سعره غال و مطلوب للصوص .لنعد لقصة الظابط ،بعد ثلاثة أيام سألته من هو وطلبت منه هويته و قصته فأخبرني بأنه كان يعمل في الشرطة السياحية و قام بتوقيف بنت معتمد في الساحل فتم طرده بسبب نفوذ أبيها ،كان عمره وقتها 26 سنة و يستعد للزواج و لديه سيارة و رتبته ملازم أول ،كل شيء إنهار و لم يقبل وضعه الجديد فبقي سنة كاملة عند أهله ،كسر غرفة النوم التي إشتراها بفأس و باع السيارة ،بعدها ذهب للعمل في حضائر البناء ثم إشتغل إسكافيا في جزيرة جربة لست سنوات و لم يجمع شيئا من المال و الآن عمره 40 أو 42 و يأس من رحمة الله…أخبرته بأنني لا أستطيع أن أسكنه عندي فلدي عائلة أنفق عليها و أنا بطبعي أعمل و أدرس فطلب أن يسكن فوق السطح أو في باحة المنزل المهم أي مكان يؤويه و الحال رمضان فليس لديه مكان يذهب إليه…تركته أياما وقتها لدينا قريب يعمل مراقب في شركة حراسة طلبت منه أن يشغله حارسا ليليا في أي إدارة حيث يمكنه أن يغلق على نفسه من الداخل و ينام فالشباب كانوا يدرسون الماجستير في النهار و يعملون حراسا بالليل في مثل هذه الأعمال …بعد أن وجدت له عملا قلت له بأجرك البالغ 450 دينار سترسم ممرضا في جامعة خاصة ب 300 دينار و الباقي مصروفك الشخصي و تسكن مجانا معنا فقط تأتي لتستحم و تأخذ طعامك و تنام يوم راحتك ،أكمل تخصص التمريض و نجح ثم تم تعيينه كممرض عمومي ،أنا ما أبقاني دائما أشك أنه من الشرطة السرية وقتها أنه تعين ممرضا في الوظيفة العمومية فمن المفروض أن يكون من طرد من الدولة أن لا يعود إليها ،على العموم هذه قصة من قصص من يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب…إلتقيت به الآن لديه إبناء و متزوج و يعيش في مدينة صغيرة ،أنا وقتها أردت أن أقصده في شأن يخصني لكن عدلت حتى لا يقول بأنني أمن عليه كما أنه لو أراد مثلا لدفع قيمة الثلاث سنوات إيجار فقد أخبرني بأن الدولة عوضت له عن الطرد التعسفي و أعطوه أجوره التي خسرها…

هل حين أترك الحرام سأرزق بالحلال مباشرة؟

يمكن أن تبقى فترة طويلة و أنت في حال سيئة ماديا فحين تترك وظيفة تعرف أن كسبها حرام أو ما تفعله حرام قد تمر بفترة من شظف العيش وهي من أسوأ الفتن التي تصيب الإنسان فهذا الحلال القليل جدا و ذاك الحرام الذي كنت أعيش فيه سابقا و الكثير جدا ،مثل ذلك الصياد الذي واضب على صلاة الصبح فسرقت شباكه و عدة صيده فتسائل لماذا لم ينقذني الله؟ فالأحداث السيئة مقدرة لنا و الدنيا دار إمتحان .كما قد نختبر في الذنب الذي تبنا منه.

أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)

وأما قوله: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) فإن معناه: أظنَّ الذين خرجوا يا محمد من أصحابك من أذى المشركين إياهم أن نتركهم بغير اختبار ولا ابتلاء امتحان، بأن قالوا: آمنا بك يا محمد فصدّقناك فيما جئتنا به من عند الله، كلا لنختبرهم، ليتبين الصادق منهم من الكاذب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) قال: يُبْتَلُونَ في أنفسهم وأموالهم.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة (وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) أي: لا يبتلون.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن مجاهد، في قوله: (وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) قال: لا يُبْتَلونَ.
فإن الأولى منصوبة بحسب، والثانية منصوبة في قول بعض أهل العربية بتعلق يتركوا بها وأن معنى الكلام على قوله: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا ) لأن يقولوا آمنا؛ فلما حذفت اللام الخافضة من لأن نصبت على ما ذكرت. وأما على قول غيره فهي في موضع خفض بإضمار الخافض، ولا تكاد العرب تقول تركت فلانا أن يذهب، فتدخل أن في الكلام، وإنما تقول تركته يذهب، وإنما أدخلت أن هاهنا لاكتفاء الكلام بقوله: (أنْ يُتْرَكُوا) إذ كان معناه: أحسب الناس أن يتركوا وهم لا يفتنون من أجل أن يقولوا آمنا، فكان قوله: (أنْ يُتْرَكُوا) مكتفية بوقوعها على الناس، دون أخبارهم. وإن جعلت ” أن “ في قوله: (أنْ يَقُولُوا) منصوبة بنية تكرير أحسب، كان جائزا، فيكون معنى الكلام: أحسب الناس أن يتركوا أحسبوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون.